محمد أبو زهرة

123

المعجزة الكبرى القرآن

وتركه إحياء فلم يسترسل رسول اللّه الفطين الأريب في تعريف للموت والحياة ، بل عمد إلى ما يفحمه حسيا ، فبهت الذي كفر واللّه لا يهدى القوم الظالمين . ومن هذا نرى أنه ليس ثمة تكرار في المعاني والعبر والعظات وإن كان الموضوع في الأحوال الثلاث يتعلق بإبراهيم عليه السلام . ( ج ) ولننتقل إلى قصة أخرى موضوعها يتعلق أيضا بإبراهيم عليه السلام ، وهو تدرج النفس الإنسانية في الاتجاه إلى طلب الحقيقة الإلهية ، والإيمان بالوحدانية . كيف ابتدأ إبراهيم عليه السلام تأمله في الكون ليتعرف من الوجود سر الوجود ، وعظمة الخالق ، فأول ما استرعاه نجم ساطع تألق ، فحسبه ربه ، ولكن الرب موجود دائما ، فلما غاب نفر مما زعم ، ثم رأى القمر ، فحسبه كذلك ، ثم رأى الشمس ، وهكذا حتى هدى إلى أن سر الوجود يجب أن يكون غير هذا كله ، فاتجه إلى اللّه ، وإليك القصة كما ذكرها القرآن ، وكما وقعت ، قال تعالى : وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَ تَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 74 ) وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ( 75 ) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ ( 76 ) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ ( 77 ) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ( 78 ) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 79 ) وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَ تُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ ( 80 ) [ الأنعام : 74 - 80 ] . ونرى من القصة أنها مغايرة تمام المغايرة لما سبق ، وإن كانت غير معارضة لها ، بل هي متممة ، ولا تكرار في القصص ، إنما الموضوع وهو إبراهيم عليه السلام هو المتكرر ، ونرى أنه ابتدأ بنفي عبادة الأصنام على أساس أن البديهة تدعو إلى ذلك ، وأن ضلال العقل هو الذي يؤدى إلى عبادتها ، ثم أخذ يبين أن طريق اليقين يبتدئ بالشك في صدق ما تضل فيه الأفهام ، فأخذ يعرض على عقله ما يتصور أن يكون فيه نفع ، فاتجه إلى الكوكب الساري ثم إلى القمر المنير ، ثم إلى الشمس السراج ، فوجد أن كل ذلك يأفل ، ويجرى عليه تغير ، فاتجه إلى خالق ذلك كله ، ولذلك يقول بعض العلماء ، ومنهم ابن حزم الظاهري أن إدراك اللّه ضروري إذا استقامت الفطرة ، ولم تركس في ضلال الأوهام . ( د ) انتقل سيدنا الخليل من الاهتداء إلى اللّه تعالى إلى عمل إيجابي نحو الأصنام ، دفعه الشباب ونور اللّه إلى أن يحطمها ، وهذا يجيء في قصص القرآن الكريم ، فيذكر سبحانه أنه عقب أن نال إبراهيم رشده ، وهو في حياطة اللّه ، تقدم